محمد متولي الشعراوي

9365

تفسير الشعراوي

هذا حوار دار بين موسى وأخيه هارون { مَا مَنَعَكَ } [ طه : 92 ] وقد وردتْ هذه الكلمة في القرآن بأُسْلوبين : الأول : قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ ص : 75 ] أي : ما منعك من السجود . والآخر : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] . أي : ما منعك أن لا تسجد ؛ لأن المانع قد يكون قَهْراً عنك ، وأنت لا تريد أن تفعل ، وقد يأتي آخر فيُقنِعك أن تفعل . فمَرّة يُرغِمك : أنت لا تريد أنْ تسجد يقول لك : اسجد . إذن : منعك أن تسجد يعني قهراً عنك ، لكن أقنعك أن تسجد أنت باختيارك فقد منعك ألاَّ تسجد . إذن : مرة من النفس ، ومرة من الغير ، وهكذا يلتقي الأسلوبان . فقوله : { مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } [ طه : 9293 ] أي : من اتباعي ، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم ؟ الحقيقة أنه لا يريد الاستفهام ، فقد تخاطب إنساناً بذنب ، وأنت لا تعلم ذنبه ، إنما تخاطبه بصورة الذَّنْب لتسمع الردَّ منه ، فيكون رَدًَاً على مَنْ يعترض عليه . ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عند الحجر الأسود ، فلما قَبَّله قال : « اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنِّي رأيت رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتُك » . إذن : قبّله عمر ؛ لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قبَّله ، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب المستمر على مَرِّ التاريخ لكل مَنْ يسأل عن تقبيل الحجر .